عكا: بالڤيديو... حكاية صمود وتحد مستمر رغم المضايقاتهنية: يجب إنهاء (أوسلو) نهائياً وإطلاق مشرع المقاومة المسلحة وإعادة بناء منظمة التحريرالصحة العالمية: لا نهاية لوباء كورونا قبل اختفاء الفيروس من العالمتحذير أردني مصري لإسرائيل بشأن قرار ضم أجزاء من الضفة الغربيةعكا: بالصور... شباب ميناء عكا يقيمون احتفالا كبيرا دعما منهم لارجاع الحركة السياحية الي عكا
http://akkanet.net/Adv.php?ID=76797

التنوّع الثري في موضوعات كتاب «عندما تشرق الشمس» للدكتور محمد حبيب الله

 

التنوّع الثري في موضوعات كتاب «عندما تشرق الشمس» للدكتور محمد حبيب الله

بقلم : الدكتور منير توما
كفرياسيف

 

أتحفنا مؤخرًا الدكتور الفاضل محمد حبيب الله (أبو رامي) باهدائي مشكورًا نسخة من كتابهِ الذي يحمل عنوان «عندما تشرق الشمس» مِن إصدار دار الأَماني للتوزيع والنشر في عرعرة حيث قمت بقراءة المقالات الواردة فيه والتي تطرّق الكاتب فيها الى موضوعات متنوعة فريدة المناحي والمجالات من اجتماعية وأدبية وتربوية وثقافية اتسّمت برؤى نيرّة واسعة الآفاق ، إنسانية في أبعادها مما يجعل القارئ يشعر بالتماثل والتماهي مع كثير من الأفكار الموحية الثرية والحافلة بروح ٍ ثقافيةٍ متميزة تعكس شخصية الكاتب بكلّ تجلياتها الحضارية الراقية لاسيّما وأنّه يكتب انطلاقًا من أصالة انتمائه العروبي العاشق للغته العربية والمُعْتزّ دومًا بما تحوية من اللالئ والدُرر ، متسلحًا بما يتمتع بهِ من موهبةٍ في تذوّق وكتابة الشعر وبخاصة العمودي الموزون المقفى ، فكان بذلك جامعًا لاتقان كتابة الشعر والنثر معًا ، وقد كُنّا قد لمسنا ذلك الأمر في انتاجهِ الأدبي والشعري سابقًا ، وهذا يتجلّى في الكتاب الذي نحن بصدده هنا حيث يتضمن ايراد الكاتب لعددٍ من الأبيات الشعرية الكلاسيكية دعمًا وتجسيدًا لأفكارٍ وآراءٍ يعبر فيها عن قناعاتهِ الذاتية حيال أمور متعدّدة في مجتمعنا وممارستنا الحياتية .
ومن حيث كون الدكتور محمد حبيب الله من كبار رجال التربية في مجتمعنا ، وباعتباره أديبًا مُثقّفًا بارزًا فإنّه يخوض في هذا الكتاب غمار الكتابة عن ثقافة الابتسامة ، وثقافة الإطراء ، وثقافات أخرى ، كثقافة اللاعنف ، والصمت والتسامح ، وفي كل ذلك مؤشرات لغنى تجربة الكاتب انسانيًا ، واجتماعيًا وفكريًا ، فهو كما عهدناه دائمًا إنسان الكلمة الحرّة المتّزنة الداعية الى التعايش بين بني البشر الذي لا يتردّد أبدًا في قول الحق والتعبير عن مناصرتهِ للمظلومين في مختلف الميادين .
ومن اللافت في مقالات الكتاب أنّ الدكتور حبيب الله يتّسم بروح المحبة والتآخي الإنساني بكل صوره وتشعباتهِ ، وهذا يتضِّح من خلال الانطباعات التي تتبلور عند القارئ وتجعله متشوِّقًا لسماع المزيد عن خبرة الكاتب الاجتماعية والتربوية والثقافية التي يرسمها الكاتب بكلماتٍ متدفقة المعاني والألفاظ ، رشيقة الأسلوب ، انسيابية السرد الممتع ؛ ومن الطرافة بمكان ما ورد في مقال الكاتب المُعَنْوَن «عيّرتني بالشيبِ وهو وقار» حيث يذكر هناك أمثلة ونماذج يتطرق فيها الشعراء العرب الى موضوع الشيب فيقول بأنّ «الشيب قد احتل مكانًا بارزًا في أدبنا العربي وفي أدبنا وتراثنا الشعبي ، أحيانًا للسلب وأحيانًا للإيجاب» . ويضيف الكاتب في الموضع نفسِهِ أنّ الشيب «هو علامة الوقار وعلامة للشيخوخة والكبر وعلامة للضعف وذهاب الشباب وعلامة للحداد وعلامة لذهاب الرجولة في نظر المرأة وموضع للتندّر والتفكّه والتأويل عندما يُبَرِّر الشاعر ظهور الشيب في رأسه بأنّه علامة للحزن على الشباب» . وهنا أود إيراد بيتين من الشعر للأديب الناقد اللبناني الكبير مارون عبود يشير فيهما بشيء من الدعابة والجديّة في آنٍ واحد بما يتعلق بالشيب وعدم الانتقاص من صفاتِهِ عمومًا مُنَوِّهًا الى مكانتهِ الايجابية في حالاتٍ كثيرة يقول :
لا تقولوا شبنا فما الشيبُ عيبٌ
إنَّ في الشِيب مَنْ يَبُزُّ الشبابا
رُبَّ شيخ ٍ قضى الحياةَ فتيًّا
وغلامٌ في ميعةِ العُمْرِ شابا

ويُلاحظ أنّ هذين البيتين يتفقان مع عنوان المقال المذكور آنفًا دفاعًا وتسويغًا منطقيًا لرفض الاتجاه الذي يميل الى ذم الشيب .
ويُبْرِز الدكتور محمد حبيب الله في عدة مقالات في هذا الكتاب مدى عشقه البالغ للغته العربيّة وشدة تمسكهِ ودفاعه الصادق عنها وعن مكانتها في هذه البلاد ، ويؤكِّد في مقالاته عنها خلفية تدرّجه بعشق اللغة العربية في مراحل حياتية على مدار سنوات وعهود تشهد له بهذا الاخلاص والوفاء لأدبها وشعرها ، وهو الذي يكرِّس مقالًا عن الأديب والشاعر المصري المتميّز المشهور فاروق شوشة ، فيكتب عنه في ذكرى مرور سنتين على وفاتهِ مُذكّرًا القرّاء بكون فاروق شوشة صاحب البرنامج الإذاعي «لغتنا الجميلة» الذي كان يقدّمه من اذاعة القاهرة بصوته الاذاعي الدافئ الرخيم ، والذي كان يستقطب الملايين من العالم العربي للاستماع إليهِ في هذا البرنامج الذي كان يفتتحه بتسجيلٍ صوتي لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وهو يقول : «لغتنا العربية يُسْرٌ لا عسر» . وفي هذا السياق أجد من المهم ومن الجدير أن أسوق بيتًا من الشعر لأمير الشعراء أحمد شوقي ليُجَسِّد رفعة وعلو الشأن الجمالي للغة العربية بكلمات راقية أعتقد جازمًا أنها تستحوذ على الذائقة الجمالية الذهنية والمرهفة حسيًّا لدى الدكتور حبيب الله نظرًا لاندفاقها السلس واللطيف الأنيق في شعرٍ بروح جديدة وروعة بيانية

ذات دقّة تعبيرية ورونق تصويري عذب يتمثل ذلك بقول شوقي :
إنّ الذي ملأَ اللغاتِ محاسنًا
جعلَ الجمالَ وسرَّهُ في الضادِ
إنَّ خلفية الاختصاص المهني التربوي الثقافي للدكتور محمد حبيب الله ، قد حفّزه ، في اعتقادي ، الى تكريس مقال عن لغة الجسد وأهمية ذلك في حياة الانسان وعلاقاته الاجتماعية في التواصل اليومي ، فهو يؤكد في هذا المقال ، وهو محقٌّ في ذلك ، أنّه «من المهم أن يعمل الانسان على تحسين قدرته على قراءة لغة الجسد لدى الآخرين وعلى تبنّي لغة الجسد من أجل تحسين القدرة على الاتصال به والتأثير عليهِ» .
ونحن نتفق تمام الاتفاق مع ما يورده الدكتور حبيب الله على أهمية لغة الجسد وتداعيات قراءتها عند الانسان ، فهي لغة أخرى تكشف بواطن الإنسان ، ويعتقد علماء النفس كما ورد في الدراسات والأبحاث بأنّ 60% من حالات التخاطب والتواصل بين الناس تتم بصورة غير شفهية أي عن طريق الايماءات والإيحاءات والرموز . وقد كان هذا موجودًا في علوم العرب المبنية على الفطرة ، كالفراسة ، أي قراءة ما يفكر بهِ الانسان من خلال ملامحه ؛ فقد قالت العرب : «كلَّ ما تضمره فوجهكَ يظهره» . وهذا زهير بن أبى سلمى يدلي بدلوه في هذا الشأن من خلال البيت التالي الذي يكشف فيهِ عن لغة العيون فيما تبيّنه من محبة أو كراهية في قلوب الآخرين ، وفي ذلك يقول :
وما يكُ في صديقٍ أو عدوٍ
تُخَبِّرُكَ العيونُ عن القلوبِ

وفي هذا المعنى أيضًا يقول دريد بن الصمة :
وما تخفى الضغينةُ حيثُ كانت
ولا النظرُ المريضُ من الصحيحِ

لقد وجدت في مقال الكاتب عن لغة الجسد وتنوعاتها من لغة العيون والابتسامة وغير ذلك ، ما جعلني استحضر قولين أو مثلين شائعين في اللغة العربية وفي لغات أجنبية أخرى تتناول ذلك ، كقولنا : «الوجه ترجمان النفوس» (The face is the interpreter of the soul) ، وكذلك القول : «في العينين تقيم الروح» (In the eyes lives the soul) .
ويحثنا الدكتور محمد حبيب الله على ممارسة «ثقافة الابتسامة» في مقال يفرده لذلك ، فهو يدعونا أن نتربى عليها مقرونة دائمًا بالكلمة الحلوة ، فالابتسامة ، في منظوره ، تدخل الراحة في نفوسنا ؛ ونحن نرى في رؤياه هذه خير ما يتوجب على الانسان أن يتخذ منه نهجًا لحياةٍ سعيدة مستقرة متّزنة مع نفسه ومع الآخرين ، وبالمراس على الابتسام في وجوه الآخرين يخفِّف الأحقاد والخصومات ، لا بل قد يزيلها ، فالابتسامة تشرح الصدور ، وقد صدق الشاعر حين دعا الى الابتسام والبُعد كل البعد عن العبوس وتقطيب الجبين ، بقوله :
أخو البِشْرِ محمودٌ على حُسْنِ بِشْرِهِ
ولنْ يَعْدَمَ البغضاءَ مَنْ كانَ عابِسَا
وكذلك قوله في هذهِ المعاني :
بشاشةُ وَجْهِ المرءِ خيرٌ مِن القِرى
فكيفَ بِمَنْ يأتي بهِ وهو ضاحِكُ

وأخيرًا وليس آخرًا ، فإنّ هناك الكثير عمّا يمكن أن يقال عن مقالات الكتاب الأخرى ، لكننا اكتفينا بهذهِ السطور بغية الإيجاز ولقناعتنا أنّنا قمنا بتغطية الجانب الأكبر مما توخّى الكاتب أن يعرضه على القرّاء من موضوعات تلامس الكثير مما يدور في المجتمع من حيثيات في أُطرٍ مرحلية تراوحت بين الذاتية الفردية الى الذاتية الاجتماعية بتصوير واقعي فيه من الحقائق الحياتية ما يستطيع الكاتب ادراكه بنفاذ بصرهِ وبصيرتهِ وقوة انطباعيتهِ .
فللدكتور العزيز الفاضل محمد حبيب الله أجمل واصدق التحيات مقرونة بأطيب التمنيات بموفور الصحة والعمر المديد وبالمزيد من التوفيق والعطاء .

آذار 2020

التعليقات (التعقيبات‭ ‬على‭ ‬مسؤولية‭ ‬المعقب‭ ‬ولا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬راي‭ ‬ادارة‭ ‬الموقع)

اترك تعليقا